المقريزي

165

المقفى الكبير

وصاروا معه . فلم يبق مع الطنبغا سوى أرقطاي نائب طرابلس في قليل من أمراء الشام ، منهم أسنبغا ابن البوبكري وأيدمر المرقبي . فساروا إلى المرج وقصدوا طريق صفد ، وأحمد مشدّ الشرابخاناه أحد أمراء طرابلس ، ومعه جماعة ، في طلبهم . فلم يقدروا عليهم وعادوا عنهم . فخطب في دمشق لأحمد الناصر ، وكان برسبغا ومن معه قد دخلوا غزّة فكتبوا إلى قوصون بهزيمة قطلوبغا الفخريّ . ثم قدم عليهم الطنبغا بمن معه غزّة وقد بلغوا الجهد من التعب فنزلوا بها وبعثوا بخبرهم إلى قوصون . فكثر اضطرابه وبعث لألطنبغا ومن معه بالأقبية والأقمشة الفاخرة ، وكان ما أرسله لكلّ من الطنبغا وأرقطاي ثلاثين بدلة قماش ، وثلاثين قبا مسنجبا « 1 » بطرز زركش ، ومائتي كلفتاه ، ومائتي خفّ ، سوى كساوي مماليكهما وغلمانهما وحاشيتهما . وشرع في تجهيز أمره للسفر ، فاختلف الأمراء عليه وأمسكوه كما ذكر في ترجمته « 2 » . وكان الطنبغا وأرقطاي قد سارا بمن معهما من غزّة ونزلوا على مدينة بلبيس . فبعث إليهم قوصون بتلجك ابن أخيه أن يلقوه تحت القلعة في يوم الاثنين ثامن عشرين رجب . فلم يرحلوا عنها إلّا « 3 » يوم الثلاثاء . وعندما وصلوا إلى سرياقوس جاءهم الخبر بركوب الأمراء على قوصون ، وأنّه محصور بالقلعة . فساروا إلى بركة الحجّاج ، وإذا بطلب قوصون مع مائة من مماليكه قد خرجوا حميّة ليعرّفوهم ما بأستاذهم ، فمضوا كما هم حتى وصلوا تحت القلعة . فقصدهم [ 222 أ ] الأمير آيدغمش ومن معه من الأمراء وسلّم عليهم وأصعدهم إلى القلعة . ثم قبض على الطنبغا وأرقطاي من الغد يوم الخميس مستهلّ شعبان في سبعة عشر أميرا . وكتب باستدعاء الناصر أحمد من الكرك ، والأمير قطلوبغا الفخريّ من دمشق ، ويعلمهما بمسك قوصون والطنبغا وأرقطاي فيمن أمسكه . فقدم الناصر أحمد واستقرّ في السلطنة . وبعث بألطنبغا وغيره من الممسوكين إلى الإسكندريّة فسجنوا بها ، ثم قتلهم واحدا بعد واحد . فلمّا دخلوا على الطنبغا وجدوه قد تأهّب للموت وتوضّأ وشدّ من تحته حفاظا « 4 » واستقبل القبلة . فأخذوا يعنّفونه على فعله وهو لا يكترث بقولهم . فلما أكثروا عليه قال : نحن حفظنا اليمين التي حلفناها لابن أستاذنا - يعني الأشرف كجك - وبقينا عليها إلى هذه الساعة . فقالوا له : أوص بما تريد . قال : ما لي أحد أوصيه على ولدي ، وقد وكّلته إلى اللّه . ثمّ استلقى وغطّى وجهه فخنقوه حتى مات . وذلك في أوّل ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة ، وقد تجاوز الخمسين سنة . وكان خيّرا له دربة بالأحكام وطولة روح في المحاكمات ، مليح الشكل ، مجيدا للّعب بالرمح ورمي النشّاب والكرة ، فارسا معدودا من الأبطال ، قويّا لم يقدر أحد أن يصرعه . وكان سخيّا لا يدّخر مالا ، ولا يتجر ولا يعمر ملكا ، فريدا في أبناء جنسه ، إلّا أنّه لم تساعده الأقدار في نيابته بدمشق . وكانت أيّامه كثيرة الشرور والأنكاد . وركب هواه

--> ( 1 ) مسنجب : محشوّ بفرو ( دوزي : البسة 328 ) . ( 2 ) ترجمة قوصون مفقودة من المقفّى وهي في أعيان العصر 4 / 136 ( 1389 ) . ( 3 ) في المخطوط : إلى . وقراءتنا أوفق لما في النجوم 10 / 39 : فلم يوافقه على السرعة . ( 4 ) حفاظ : حزام تحتيّ لاتّقاء الإسهال ( دوزي ) .